زكريا القزويني
323
آثار البلاد واخبار العباد
مرضيا يرتفع منه إلى أنفي زفر لا تقبله نفسي ! توفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين . وينسب إليها أبو الحسن السري بن المغلّس السّقطي خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه وتلميذ معروف الكرخي . دعا له أستاذه معروف وقال له : أغنى اللّه قلبك ! فوضع اللّه تعالى فيه الزهد . وقيل : ان امرأة اجتازت بالسري ومعها ظرف فيه شيء فسقط من يدها وانكسر ، فأخذ السريّ شيئا من دكانه وأعطاها بدل ما ضاع عليها ، فرأى معروف ذلك فأعجبه وقال له : ابغض اللّه إليك الدنيا ! فتركها وتزهّد كما دعا له . وحكي أن امرأة جاءت إلى السري وقالت : يا أبا الحسن ، أنا من جيرانك ، وإن ابني أخذه الطائف ، واني أخشى أن يؤذيه ، فإن رأيت أن تجيء معي أو تبعث إليه أحدا . فقام يصلّي وطوّل صلاته فقالت المرأة : أبا الحسن ، اللّه اللّه في ولدي ! إني أخشى أن يؤذيه السلطان ! فسلّم وقال لها : أنا في حاجتك . فما برحت حتى جاءت امرأة وقالت لها : لك البشرى فقد خلّوا عن ابنك ! حكى الجنيد قال : دخلت على السري فإذا هو قاعد يبكي وبين يديه كوز مكسور ، قلت : ما سبب البكاء ؟ قال : كنت صائما فجاءت ابنتي بكوز ماء فعلّقته حتى يبرد فأفطر عليه ، فأخذتني عيني فنمت فرأيت جارية دخلت عليّ من هذا الباب في غاية الحسن ، فقلت لها : لمن أنت ؟ قالت : لمن لا يبرّد الماء في الكيزان الخضر ! وضربت بكمّها الكوز ومرّت وهو هذا . قال الجنيد : فمكثت اختلفت إليه مدّة طويلة أرى الكوز المكسور بين يديه . وحكي أن السري كلّ ليلة إذا أفطر ترك لقمة ، فإذا أصبح جاءت عصفورة وأكلت تلك اللقمة من يده . فجاءت العصفورة في بعض الأيّام ووقعت على شيء من جدار حجرته ثمّ طارت وما أكلت اللقمة ، فحزن الشيخ لذلك وقال : بذنب مني نفرت العصفورة ، حتى تذكّر انّه اشتهى الخبز بالقديد فأكل ، فعلم أن انقطاع العصفورة بسبب ذلك ، فعهد أن لا يتناول أبدا شيئا من الادام فعادت العصفورة .